أحمد بن علي الرفاعي الكبير
115
حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى
سره ، ولطائف حكمته ، وحقائق محبته ، وأنوار علمه ، وآيات معرفته ، التي لا يطّلع عليها ملك مقرب ، ولا نبي مرسل ، ولا أحد دون اللّه ، بغير إذنه سبحانه . فينبغي أن يكون العارف عالما بصلاحه وفساده ، مستقيما على معاملته ، عارفا بربحه وخسرانه ، حافظا له من مكابدة عدوه ، مستعينا باللّه في ذلك كله ، وأن لا يدع في قلبه مكانا لغيره ، فإن اللّه تعالى إذا اطّلع على قلب ، فرأى فيه غيره ! مقته وخذله ، وسلّط عليه العدو . ومعاملة القلوب للّه خاصة ، ومعاملة الأركان مختلطة ، ومعاملة القلوب تقبل بغير الأركان ، ومعاملة الأركان لا تقبل بدون القلب ، ولا تستوجب الثواب ؛ فإن كان العبد في معاملة القلب مقصرا ، وفي معاملة الأركان موفرا ، حكم على توفير أحكامه بتقصير قلبه ، وإن كان في معاملة القلب موفرا ، وفي معاملة الأركان مقصرا ، حكم على تقصير أركانه بتوفير قلبه . روي أن موسى عليه الصلاة والسلام : مرّ بقوم من بني إسرائيل قد لبسوا المسوح ، وقد جعلوا التراب على رؤوسهم ، ودموعهم منحدرة على خدودهم . فبكى عليهم رحمة لهم ! وقال : إلهي ! أما ترحم عبادك ؟ أما ترى حالهم ؟ . فأوحى اللّه تعالى إليه : يا موسى ! أنظر هل نفدت خزائني ، أو لست بأرحم الراحمين ؛ كلا ، ولكن أعلمهم بأني بذات الصدور خبير ، يدعونني بقلوب خالية عني ، مائلة إلى الدنيا . وروي أنه صلى اللّه عليه وسلم مرّ برجل ساجد على صخرة ، منذ ثلاثمائة سنة ، كان يبكي ودموعه تجري على الأودية ، فوقف عليه وبكى لبكائه ، وقال : يا إلهي ! أما ترحم عبدك . فقال اللّه تعالى : لا أرحمه ، قال : ولم يا إلهي ؟ قال : لأن قلبه يستريح إلى غيري ، وكان له جبة يستتر بها من الحر والبرد ! . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا يستقيم عمل العبد حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه » . إذا فقد العبد قلبه فقد ربه : وقال النبي عليه الصلاة والسلام : « ألا وإنّ في الجسد مضغة ، إذا صلحت صلح الجسد كلّه ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب » .